الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
5
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
الضروريات من الحد بالقيد المذكور إذ ليس العلم الحاصل معها علما محصلا من الدليل وإن كانت تلك الضرورة علة لتلك العلوم في نفس الأمر قلت ويرد عليه أن ضروريات الدين ونحوها ليست من الأمور المعلومة على سبيل الضرورة ليمكن إخراجها بالقيد المذكور وإذ غاية ما اقتضى به الضرورة ثبوتها كذلك عن صاحب الشريعة نظرا إلى التواتر أو من جهة التسامع والتظافر لا ثبوت الحكم بحسب الواقع إذ ثبوتها الواقع موقوف على صدق النبي صلى اللَّه عليه وآله المتوقف على البيان وإقامة البرهان فالظاهر أن ما ذكره مبني على اشتباه ضروريات الدين بسائر الضروريات وبينهما من البين البين ما لا يخفى إذ ليس المقصد من ضروريات الدين ما يكون ثبوت الحكم وصحته على سبيل الضرورة كما هو الحال في سائر الضروريات بل المقصود ثبوتها من الدين على سبيل الضرورة فيتوقف ثبوتها على صحة الدين بحسب الواقع ولذا زاد في التهذيب وغيره لإخراج ضروريات الدين قيدا آخر وهو أن لا يعلم ثبوتها من الدين ضرورة ثم أقول الظاهر أن الفقه بحسب مصطلحهم اسم للعلم بالمسائل التي لا يكون ثبوتها عن صاحب الشريعة من الضروريات عند الأمة سواء كان ثبوتها منه ضروريا عند ذلك العالم أولا إذ من البين أن الراوي الذي سمع الحكم مشافهة من النبي صلى اللَّه عليه وآله يكون ثبوته من صاحب الشرع ضروريا عنده مع أن علمه من الفقه قطعا وكذا الحال في ضروريات المذهب دون الدين سيما ما كان من ضروريات المذهب عند العلماء خاصة أو بلغ في الوضوح عند الناظر إلى حد الضرورة فإن الظاهر إدراج الجميع في الفقه فإخراج مطلق الضروريات ليس على ما ينبغي وإنما حكمنا بخروج ضروريات الدين لتصريح جماعة منهم بذلك مع مساعدة ظاهر الإطلاقات المؤيد ببعض الاعتبارات كما سنشير إليه وما ذهب إليه بعض الأفاضل تبعا لما حكاه عن الأخباريين عن إدراجها أيضا في الفقه محتجا بأن البداهة والضرورة لو أخرجنا بعض الأحكام عن الفقه للزم أن يكون ضروريات المذهب كذلك أيضا وهم لا يقولون به مع أن كثيرا من ضروريات الدين والمذهب إنما صار ضروريا في أواسط الإسلام بعد إقامة الدلائل وتظافر الخواطر من المجتهدين والمحدثين من أهل مذهب الإسلام حتى انتهى الأمر في هذه الأعصار وما قبلها فصارت ضرورية فاسد إذ بعد نص جماعة من أعاظم أهل الاصطلاح على خروجها من المصطلح لا يتجه المناقشة فيه سيما بعد مساعدة ما هو الشائع من إطلاقاتهم عليه ودعوى كون ذلك من المعاني الشرعية المأخوذة من صاحب الشريعة ممنوعة كما تقدمت الإشارة إليه والقول بلزوم إخراج سائر الضروريات لا وجه له إذ ليس مجرد ثبوته على سبيل الضرورة عند العالم به قاضيا بذلك كيف ولو كان كذلك لزم أن لا يكون من تعلم المسألة من النبي صلى اللَّه عليه وآله أو الإمام على سبيل المشافهة عالما بالفقه وهو واضح الفساد كما أشرنا إليه بل لما كان المقصود في الفقه بيان الأحكام التي قررها صاحب الشريعة وكان ثبوت بعض تلك الأحكام عنه معلوما عند الخواص والعوام من دون حاجة في إثباته إلى البيان وإقامة البرهان بل كان العالم والعامي في معرفته سيان أخرجوه عن مسمى الفقه إذ لا حاجة في إثباته إلى الاستدلال بخلاف سائر الضروريات لحصول الحاجة في إثباتها إلى الدليل ولو بالنسبة إلى البعض فثبوت تلك المسائل عن صاحب الشريعة نظرية في الجملة بخلاف هذه ولما كان المنظور في علم الفقه إثبات الأحكام المقررة عن صاحب الشريعة من حيث تقررها وإن كان ثبوتها الواقعي واعتقاد صحتها موقوفا على صحة الشريعة ولذا عد الكلام من مباديه التصديقية كما سيجيء الإشارة إليه إن شاء الله تعالى كان إخراج الضروريات المذكورة مناسبا إذ ليست مسائل الفنون المدونة إلا عبارة عن المطالب النظرية المثبتة فيها دون الأحكام الضرورية فكما أن الضروريات خارجة عن مسائل سائر الفنون المدونة فكذا هذا العلم وبذلك يظهر ضعف ما حكاه الفاضل المذكور من الأخباريين في الرد على المجتهدين من أن ما ذكروه إنما يتم على طريقة الحكماء والمتكلمين حيث إن تدوين المسائل البديهية في باب التعليم والتعلم غير مستحسن والفقهاء ظنوا أن ذلك الباعث جار هنا وليس كذلك لأنه ليس شيء من الأحكام الشرعية بديهيا بمعنى أنه لا يحتاج إلى الدليل والسبب في ذلك أنها كلها محتاجة إلى السماع من صاحب الشريعة ووضوح الدليل لا يستلزم بداهة المدعى وذلك لما عرفت من أن المقصود في الفقه إنما هو إثبات الأحكام من صاحب الشريعة ولما كان ورود بعض الأحكام عنه ضروريا عند الأمة كان بمنزلة سائر الضروريات المخرجة عن سائر العلوم إذ لا حاجة في إثباتها عن صاحب الشريعة إلى إقامة حجة فما توهموه من الفرق بين المقامين غير متجه وبلوغ بعضها إلى حد الضرورة المذكورة في أواسط الإسلام لا يمنع منه إذ لا مانع من خروجه بعد ذلك عن الفقه المصطلح لدوران الأمر في اندراجه وخروجه مدار ذلك كغيره من أسامي العلوم ثم إن ما ذكرناه لا يستلزم أن يكون الفقه مجرد العلم بصدور الأحكام عن صاحب الشريعة حتى يلزم أن لا يكون الكلام من مباديه التصديقية مع ما فيه من المخالفة لحدوده المعروفة بل المقصود أن المنظور بيانه في العلم المذكور إنما هو ذلك وإن كان العلم بنفس المسألة الذي هو عبارة عن الفقه متوقفا على صحة الشريعة وذلك القدر كاف في صحة ما قررناه فتأمل والحاصل أن العلم بضروريات الدين وإن كان حاصلا عن الدليل لكنه ليس حاصلا عن الأدلة الفقهية بل من الأدلة الكلامية الدالة على صحة الشريعة المقدسة وصدق النبي صلى اللَّه عليه وآله فيما أتى به وذلك مما لا يقرر في الفقه ولا ربط له بوضعه ومما ذكرنا ظهر الوجه في إخراج الضروريات المذكورة عن حد الفقه وهو أن يجعل قولهم عن أدلتها إشارة إلى الأدلة المعروفة في الفقه من الكتاب والسنة والإجماع وغيرها مما يستدل بها في المطالب الفقهية على وقوع الحكم عن صاحب الشريعة فيكون الإضافة عهدية ومن المبين أن ضروريات الدين غير مأخوذة عن تلك الأدلة وإن أقامت عليها أيضا وكانت في الأصل مأخوذة عنها وقد أشرنا إلى الوجه فيه وقد يشكل بأن ذلك بعينه جار في ضروريات المذهب فإن المعلوم بالضرورة هناك ثبوت الحكم عن الإمام عليه السلام وثبوته الواقعي متوقف على صدق الإمام عليه السلام فيما حكم به فهو أيضا من المسائل الكلامية فلا يكون العلم بالمسألة هناك حاصلا من الأدلة الفقهية المعهودة فيلزم خروج ضروريات المذهب أيضا والقول بأن ثبوت الحكم عن الإمام عليه السلام على سبيل الضرورة لا يزيد على أخذ الحكم من الإمام عليه السلام على سبيل المشافهة مع حصول القطع بما هو مراده ولا ريب أن القول الصادر منه دليل فقهي وإن كانت حجيته على علم الكلام فكذا الحال في المقام مدفوع بجريان ذلك بعينه في ضروريات الدين فإن الحجة هناك هو قول النبي صلى اللَّه عليه وآله فيكون قيام الضرورة هناك